من الجيش إلى الشرطة.. نقل صلاحيات المستوطنين يكرّس الضم الفعلي في الضفة

من الجيش إلى الشرطة.. نقل صلاحيات المستوطنين يكرّس الضم الفعلي في الضفة
تقارير وحوارات

غزة/ معتز شاهين:
بينما تُقدّم "إسرائيل" نقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة من جيش الاحتلال إلى الشرطة باعتباره إجراءً إداريًا، تكشف قراءات سياسية وحقوقية عن أبعاد تتجاوز إعادة توزيع المهام الأمنية، لتلامس مستقبل الاستيطان وطبيعة السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
ويرى خبيران بالشأن الإسرائيلي، في حديثين منفصلين لـ"الاستقلال"، أن الخطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب الإداري، إذ تُقرأ من جهة كمناورة سياسية وانتخابية تعمّق الخلاف مع المؤسسة العسكرية، ومن جهة أخرى كجزء من مسار تدريجي لدمج المستوطنات في البنية المدنية والقانونية الإسرائيلية، بما يكرّس واقعًا أقرب إلى الضم الفعلي.
ويوم الجمعة، وجّه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس جيشه إلى إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين إلى الشرطة، التابعة لما تسمى وزارة الأمن القومي التي يتولاها إيتمار بن غفير.
ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وسط تحذيرات من أن نقل هذه الصلاحيات قد يتجاوز مجرد إعادة توزيع للمهام، ليكرّس واقعًا جديدًا في الضفة الغربية، ويعزز نفوذ المستوطنين ويؤثر في آليات محاسبتهم.
وعلى الصعيد الحقوقي، حذّرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" من نقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين إلى شرطة الاحتلال، معتبرة أن الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى مسار تكريس الضم الفعلي لأجزاء متزايدة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وشددت الهيئة على أن خطورة القرار لا تكمن في مجرد نقل الاختصاص بين مؤسسات الاحتلال، وإنما في دلالاته السياسية والقانونية والمؤسساتية، معتبرة أنه يعكس مسارًا متدرجًا لدمج المستوطنات في منظومة دولة الاحتلال، ونقلها من إطار الإدارة العسكرية إلى البنية المدنية والقانونية الإسرائيلية.
مناورة سياسية
من جهته، اعتبر الخبير في الشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن قرار نقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين من جيش الاحتلال إلى الشرطة لا يعدو كونه مناورة سياسية وانتخابية تخدم بنيامين نتنياهو، مشددًا على أن قضايا ضم الأراضي أو إنشاء الدول ترتبط بدرجة كبيرة بالقرارات الدولية والموقف الأميركي، ولا يمكن لقرار إسرائيلي منفرد حسمها.
وأوضح جعارة لـ"الاستقلال" أن نقل الصلاحيات إلى الشرطة يمثل ضربة للمؤسسة العسكرية وتقليصًا لدورها، في ظل الخلافات المتصاعدة بين نتنياهو وقيادات الجيش وكبار الضباط، الذين يحملون الحكومة مسؤولية الإخفاقات وتعدد الجبهات التي خاضها الاحتلال، سواء في قطاع غزة أو الجنوب اللبناني أو المواجهة مع إيران.
ويرى جعارة أن سحب الصلاحيات يعكس عجز المؤسسة العسكرية عن التعامل مع اعتداءات المستوطنين بما يتعارض مع سياسات الحكومة اليمينية المتطرفة، مشيرًا إلى أن الإعلام العبري وقيادات عسكرية وشخصيات سياسية إسرائيلية تصف ممارسات بعض المستوطنين بأنها "إرهاب يهودي" وتشكل خطرًا على "إسرائيل".
وأشار إلى أن ممارسات المستوطنين تواجه انتقادات حتى من مسؤولين أميركيين داعمين لإسرائيل، لافتًا إلى تصريحات السفير الأميركي في دولة الاحتلال وتحذيرات الرئيس دونالد ترامب المتكررة لنتنياهو من نشاط المستوطنين.
وقال إن نتنياهو يحاول، في المقابل، الظهور أمام جمهوره الداخلي باعتباره الطرف القادر على تحدي الضغوط الأميركية ومنع قيام دولة فلسطينية، بما يجعل ملف الاستيطان جزءًا من حساباته السياسية والانتخابية.
دمج المستوطنات
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن القرار يمثل تحولًا نوعيًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، ولا يمكن اختزاله في مجرد إجراء إداري أو إعادة توزيع للمهام الأمنية.
وأوضح أبو رحمة لـ"الاستقلال" أن القرار يحمل أبعادًا سياسية وقانونية تتجاوز المبررات الأمنية الإسرائيلية، ويعكس توجهًا متدرجًا نحو التعامل مع المستوطنات باعتبارها جزءًا من المجال المدني الإسرائيلي، بدل إبقائها ضمن إطار المناطق الخاضعة للإدارة العسكرية في الأراضي المحتلة.
وقال إن نقل الصلاحيات من الجيش إلى الشرطة يمنح المستوطنين مرجعية مؤسسية أقرب إلى تلك الموجودة داخل كيان الاحتلال، ويعزز دمج المستوطنات في مؤسسات الدولة ويكرّس وقائع جديدة على الأرض.
وأشار أبو رحمة إلى أن توقيت القرار يحمل أهمية سياسية، في ظل التصعيد العسكري في الضفة الغربية، والتوسع الاستيطاني، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، بالتزامن مع استمرار الحرب على قطاع غزة وانشغال المجتمع الدولي بتداعياتها السياسية والإنسانية.
وأضاف أن حكومة الاحتلال تستثمر الظروف الإقليمية والدولية لإجراء تغييرات بنيوية في الضفة، عبر نقل مزيد من الصلاحيات من المؤسسة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، بما قد يجعل التراجع عن هذه الإجراءات مستقبلًا أكثر صعوبة.
وأكد أن القرار يعيد تعريف دور الجيش في الضفة، بحيث يتركز بصورة أكبر في المهام العسكرية والأمنية، بينما تتولى الشرطة إدارة شؤون المستوطنين اليومية، الأمر الذي يخفف الطابع العسكري لعلاقة الدولة بالمستوطنات ويمنحها مظهرًا أقرب إلى التجمعات المدنية داخل كيان الاحتلال.
وبيّن أبو رحمة أن جوهر السياسة الإسرائيلية لا يقتصر على توسيع الاستيطان، بل يتجه إلى دمج المستوطنات تدريجيًا في البنية المؤسسية والقانونية للدولة، معتبرًا أن هذا المسار يمثل شكلًا من أشكال الضم الفعلي الذي يتحقق عبر خطوات تراكمية وتغييرات إدارية ومؤسساتية، دون الحاجة إلى إعلان رسمي.
وشدد على أن هذه الإجراءات تفند الرواية الإسرائيلية التي تقدم الاستيطان باعتباره واقعًا مؤقتًا، وتكشف توجهًا لإعادة هندسة الضفة وفرض وقائع دائمة، بما يهدد فرص إحياء عملية سياسية قائمة على حل الدولتين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق